أحمد بن محمد ابن عربشاه

192

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

مناصب ، وكتائب نوائب ، وعجائب نواهب ، وغرائب نوادب نسلبهم بها دينهم ونمنعهم اعتقادهم الحق ويقينهم ، وكم لنا في سكونهم إلى الطاعات من حركات ، وفي ركونهم إلى الخيرات من سقطات ، وكم لهم إلى الطاعات من همم فبردتها وساوسنا ، فحصل منها في أحشائهم الضرم ، وفي وجود خيرهم العدم ، وفي صحة إيمانهم السقم ، وفي شباب صدقهم الهرم ، وفي سكون أمانهم الضربات والألم ، وفي دائرة حلالهم الحرام والحرم . وكم وكم وكم وكم ، ونحن إلا أن على ما كنا عليه ، وهو الذي طبعنا عليه ، وندبنا إليه دأبنا عن الحق إضلالهم ، وعن الصراط المستقيم إزلالهم ، وإلى الباطل دلالتهم وإدلالهم ، نزين لملوكهم الاجتراء ، ولكبرائهم الافتراء ، ولرؤسائهم الازدراء ، ولعلمائهم المراء ، ولزهادهم الرياء ، ولتجارهم الربا ولأمرائهم سفك الدما ، ولنسائهم السلاطة والزنا ، ولخواصهم الغيبة والنميمة ، ولعوامهم الخوض في كل جريمة ، وللمشايخ قول الزور ، ولنسائهم الوقاحة والفجور ، وهذا دأبنا ودأبهم ، ولم تزل أوهاقنا ورقابهم ، فإن قلنا : نصل هذا الواصل ، فإن هذا تحصيل الحاصل ، وإن قلنا : نستأنف عملا جديدا ، فإنا لم نترك في ذلك ما يبقى مزيدا ، وقد بلغنا في ذلك كله الغاية وها نحن ملابسون « 1 » منه ما ليس وراءه نهاية ، ولم يبق إلا المقابلة في المقاتلة ، والمباشرة بالمكاثرة والمفاتحة في المقابحة والمكالحة « 2 » في المناكحة . فلما سمع الوزراء هذا الكلام ؛ عرفوا أن أسباب دولتهم آذنت بانصرام غير أنهم لم يقدروا على المخالفة فما وسعهم إلا المطاوعة والمؤالفة ؛ لئلا ينسبهم إلى غرض فيصيبهم منه عرض أو مرض ؛ فحسنوا له رأى المصادمة ومباحثة العالم والمقاومة .

--> ( 1 ) ملاقون . ( 2 ) العداوة .